المقريزي
62
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
جدّ أبيه عباد بن حذيفة عن جدّ جدّه حذيفة بن عبد بن فقيم ، وكان يقال لحذيفة القلمس ، وهو أوّل من أنسأ الشهور على العرب ، فأحل منها ما أحل وحرّم ما حرّم ، ثم كان بعد عوف المذكور ولده أبو ثمامة جنادة بن عوف ، وعليه قام الإسلام ، وكان أبعدهم ذكرا ، وأطولهم أمدا يقال : إنه أنسأ أربعين سنة ، ولهم يقول عمير بن قيس جذل الطعان يفتخر : وأيّ الناس لم يسبق بوتر * وأيّ الناس لم يعلك لجاما ألسنا الناسئين على معدّ * شهور الحل نجعلها حراما وقال آخر : أتزعم أني من فقيم بن مالك * لعمري لقد غيرت ما كنت أعلم لهم ناسئ يمشون تحت لوائه * يحل إذا شاء الشهور ويحرم وقيل : كانت العرب تكبس في كل أربع وعشرين سنة قمرية بتسعة أشهر ، فكانت شهورهم ثابتة مع الأزمنة جارية على سنن واحد لا تتأخر عن أوقاتها ، ولا تتقدّم وكان النسيء الأوّل للمحرّم ، فسمي صفر باسمه ، وشهر ربيع الأوّل باسم صفر ، ثم والوا بين أسماء الشهور ، فكان النسيء الثاني بصفر ، فسمي الذي كان يتلوه بصفر أيضا ، وكذلك حتى دار النسيء في الشهور الاثني عشر ، وعاد إلى المحرّم ، فأعادوا فعلهم الأوّل ، وكانوا يعدّون أدوار النسيء ، ويحدّون بها الأزمنة ، فيقولون : قد دارت السنون من لدن زمان كذا إلى زمان كذا : وكذا دورة ، فإن ظهر لهم مع ذلك تقدّم شهر عن فصله من الفصول الأربعة لما يجتمع من كسور سنة الشمس بقية فضل ما بينها ، وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها كبسوها كبسا ثانيا ، وكان يظهر لهم ذلك بطلوع منازل القمر ، وسقوطها حتى هاجر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانت نوبة النسيء بلغت شعبان ، فسمي : محرّما ، وشهر رمضان : صفر ، وقيل : إن الناسيء الأوّل نسأ المحرّم ، وجعله كبسا ، وأخر المحرّم إلى صفر ، وصفر إلى ربيع الأوّل ، وكذا بقية الشهور ، فوقع لهم في تلك السنة عاشر المحرّم ، وجعل تلك السنة ثلاثة عشر شهرا ، ونقل الحج بعد كل ثلاث سنين شهرا فمضى على ذلك مائتان وعشر سنين ، وكان انقضاؤها سنة حجة الوداع ، وكان وقوع الحج في السنة التاسعة من الهجرة عاشر ذي القعدة ، وهي السنة التي حج فيها أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه بالناس ، ثم حجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في السنة العاشرة حجة الوداع لوقوع الحج فيها عاشر ذي الحجة كما كان في عهد إبراهيم وإسماعيل ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم في حجته هذه : « إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض » يعني رجوع الحج والشهور إلى الوضع ، وأنزل اللّه تعالى إبطال النسيء بقوله تعالى : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ [ التوبة / 37 ] فبطل ما أحدثته الجاهلية من النسيء ، واستمرّ وقوع الحج والصوم برؤية الأهلة ، وللّه الحمد .